القاضي عبد الجبار الهمذاني

309

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الاختلاف ، وخالف بين الدواعي والشهوات ، لهذا السبب ؛ فإذا صح ذلك فغير جائز أن يقدح ، فيما ذكرناه ، من حال القرآن بشيء من العلوم ، التي يقع فيها بعض الاختصاص ، لأنا قد بينا : أنه لا بدّ فيها من التقارب ، ولا يقع في التباين ؛ ومتى حصل السبق إليه فالسبق لا يكون حجة ، إذا أمكنت المساواة ، على ما بيناه ، في حيل المحتالين ، إلى غير ذلك من الصناعات وغيرها ؛ فكيف يجوز أن يعترض على القرآن بشيء ، مما يدخل في الجملة التي وصفناها ؟ وصارت هذه الطريقة ، في بابها ، بمنزلة ما أجرى اللّه تعالى به العادة ، على وجه لا يقع فيه التباين ، حتى يصح عند ذلك إبانة الأنبياء ، عليهم السلام بالمعجزات ، لأنه لو لم تجر العادة كذلك لم يكن ليصح إقامة الأدلة بالمعجزات ، وكذلك بعادات العباد ، التي تظهر عن علمهم ، وقدرهم ؛ أجراها تعالى : بأن لم يباين بين أحوالهم في العلوم والقدر ، على الحدّ الّذي ذكرناه ، ليصح منه تعالى إقامة الأدلة ، بما يجانس أفعالهم ، كالقرآن وغيره ؛ ولا بدّ إذا كان في المعلوم بعثة الأنبياء بتعريف الشرائع ، والمصالح في بعثة أعيانهم قد تختلف ؛ وكذلك فقد تختلف المصالح ، فيما يظهر من المعجزات عليهم ، فربما كان الصلاح إظهار ما يخرج عن مقدورهم ، كإحياء الموتى ؛ وربما كان الصلاح إظهار ما يجانس مقدورهم ، كفلق البحر ، وكالقرآن ؛ فلو لم يجر اللّه تعالى العادة ، فيما يختص به العباد ، من العلوم ، والقدر ، والآلات ، على حدّ التقارب لم يكن ليصح إبانة الأنبياء ، بهذا الوجه ؛ كما لو لم تجر العادة ، في نفس أفعاله ، بما ذكرناه ، من التقارب لم يكن ليصح إبانة الأنبياء بالوجه الأوّل ؛ فصارت هذه الطريقة ، في بابها بمنزلة المواضعة على اللغات ، أنه تعالى لو لم يوقف عليها ، إن كانت توقيفا ؛ وإن كانت باختيار ومواضعة ، فلو لم يتواضعوا عليها لما صح في اللغات أدلة تفهم بها الأغراض ، ويقع بها